يرى الكاتب جيسي هومان، في مقال نشرته المعالجة النفسية أرييلا كوك-شونكوف، أن السعي إلى الإتقان واكتساب المهارات الصعبة يمنح الإنسان ثقة أكبر بنفسه، ويعزز شعوره بالمعنى والإنجاز في الحياة، خاصة في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا ويزداد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في أداء كثير من المهام اليومية.
ويشير موقع سايكولوجي توداي إلى أن الراحة المفرطة والتكنولوجيا الحديثة، رغم ما توفره من سهولة وسرعة، قد تسهم في إضعاف بعض المهارات الإنسانية الأساسية، وتقلل من فرص التعلم والتجربة التي تساعد الأفراد على بناء المرونة النفسية والقدرة على مواجهة التحديات.
التكنولوجيا والراحة المفرطة تضعفان مهارات الإنسان
يوضح الكاتب أن الإنسان اعتاد عبر قرون طويلة على تطوير مهاراته من خلال المحاولة والخطأ والتعامل مع الإحباطات اليومية. أما اليوم، فقد أتاحت الهواتف الذكية وخدمات البث الفوري وأنظمة الملاحة الرقمية حلولًا جاهزة تختصر كثيرًا من الجهد والتفكير.
ويرى أن هذه الراحة المستمرة قد تحمل آثارًا جانبية غير ظاهرة، إذ تقلل فرص التعلم العملي، وتحد من تنمية مهارات حل المشكلات، كما تضعف الإحساس بالإنجاز الناتج عن تجاوز العقبات. ويستشهد الكاتب بأمثلة من الحياة اليومية، مثل استئجار الأفلام في الماضي أو البحث عن الأماكن دون تطبيقات الجي بي أس، حيث كانت هذه التجارب تتضمن قدرًا من الصبر والتكيف مع الظروف غير المتوقعة.
الإحباط المؤقت طريق إلى الثقة والمرونة
يؤكد الكاتب أن مواجهة الصعوبات البسيطة لا تمثل عائقًا أمام السعادة، بل قد تشكل جزءًا أساسيًا من بناء الشخصية. فالتعامل مع خيبة الأمل أو الفشل المؤقت يساعد الأطفال والبالغين على تطوير القدرة على التكيف مع التحديات المستقبلية.
ويشير إلى أن المجتمعات الحديثة باتت توفر حلولًا فورية لمعظم الاحتياجات، من مشاهدة المحتوى إلى طلب الطعام والخدمات، ما يقلل الحاجة إلى الانتظار أو بذل الجهد. لكن هذه السرعة، بحسب الكاتب، لا تؤدي بالضرورة إلى مزيد من الرضا النفسي، بل قد ترفع مستويات التوتر وتزيد الشعور بالوحدة والعزلة.
كما يلفت إلى أن دراسات حديثة أظهرت ارتفاع معدلات الشعور بالوحدة بين البالغين، رغم التقدم التقني الهائل ووفرة وسائل التواصل الحديثة، ما يعكس وجود فجوة بين الراحة الرقمية والاحتياجات الإنسانية العميقة.
بناء الإتقان في عصر الذكاء الاصطناعي
يدعو الكاتب إلى تبني مفهوم "بناء الإتقان"، وهو نهج علاجي وسلوكي يعتمد على ممارسة أنشطة تتطلب جهدًا واستمرارية حتى يكتسب الفرد مهارة حقيقية وشعورًا بالكفاءة. ويقترح البدء بأهداف قابلة للتحقيق لكنها تحمل قدرًا من التحدي، مثل تعلم لغة جديدة، أو العزف على آلة موسيقية، أو تنفيذ مشروع منزلي يدوي، أو ممارسة الزراعة المنزلية.
ويحذر من أن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية قد يدفع الإنسان تدريجيًا إلى التخلي عن مهاراته الشخصية مقابل حلول جاهزة. وفي المقابل، يمنح التعلم العملي والتجربة المباشرة فرصًا أكبر للإبداع والنمو النفسي وتطوير المرونة.
ويخلص الكاتب إلى أن الإحباط المؤقت والمعاناة المحدودة أثناء التعلم ليسا أمرين سلبيين، بل يمثلان جزءًا طبيعيًا من رحلة الإتقان. فكل مهارة جديدة تتطلب صبرًا وممارسة مستمرة، لكن المكافأة النهائية تتمثل في شعور أعمق بالثقة والإنجاز والمعنى، وهي قيم يصعب على التكنولوجيا أن توفرها مهما بلغت درجة تطورها.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-anti-doomer-mindset/202606/go-out-and-do-something-difficult-and-challenging

